محمد هادي معرفة

411

شبهات وردود حول القرآن الكريم

ومنه قوله تعالى - حكاية عن فرعون - : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ . « 1 » وذلك لمّا دعاه موسى عليه السّلام إلى شريعته وقال : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ . « 2 » عاد عليه فرعون وسأله عن سمات هذا الربّ والتي جعلته ربّا للعالمين ، ولم يسأله عن ذاته المقدّسة وعن اسمه الخاصّ . وإلّا لكان حقّ الجواب أن يقول موسى عليه السّلام : اللّه ، بل أجابه بقوله : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا . . . رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . . . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما « 3 » وفيه تعريض بفرعون ، حيث ادّعى الربوبيّة ، لأنّ له ملك مصر ، وأنّ أنهارها تجري من تحته . « 4 » فهو يملك - فيما زعم - رقعة من الأرض وليست كلّها وفي مقطع من الزمان لا في كلّ الأزمان ، ولاناس معدودين وليس كلّ الخلائق من الأوّلين والآخرين . والخلاصة : إنّ التعبير ب « ما » عن الشيء قد يكون تعريفا بعين ذاته ، فهذا ما يغلب استعماله في غير ذوي العقول . وقد يكون تعريفا بصفاته وعناوينه التي كوّنت شخصيّته الخاصّة ، فهذا يعمّ ويغلب استعماله في العقلاء أيضا . وقد جاءت تعابير القرآن على هذا النمط ، وجاريا على أساليب كلام العرب الفصيح . وعليه ، فكان قوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 5 » تعبيرا عن الطيّبات من النساء ، أي فانكحوا الطيّب من النساء . قال مكّيّ بن أبي طالب : أي فانكحوا الطيّب أي الحلال . و « ما » تقع لما لا يعقل ، ولنعوت ما يعقل ، ولذلك وقعت هنا لنعت ما يعقل . « 6 » وكذا قال - في قوله تعالى : وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ « 7 » - : وقعت « ما » لمن يعقل ، لأنّ المراد بها صفة من يعقل . قال : و « ما » يسأل بها عمّا لا يعقل وعن صفات من يعقل . « 8 » قال الفرّاء : ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد : أو ملك أيمانكم . « 9 »

--> ( 1 ) الشعراء 26 : 23 . ( 2 ) الشعراء 26 : 16 . ( 3 ) الشعراء 26 : 24 - 28 . ( 4 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ . الزخرف 43 : 51 . ( 5 ) النساء 4 : 3 . ( 6 ) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ، ج 1 ، ص 189 . ( 7 ) النساء 4 : 36 . ( 8 ) المصدر : ص 195 . ( 9 ) معاني القرآن ، ج 1 ، ص 254 .